الشوكاني
443
فتح القدير
سورة يونس الآية ( 35 - 41 ) لما بين فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة من أحوال الرزق والحواس والموت والحياة والابتداء والإعادة والإرشاد والهدى ، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس ، فقال ( قل ) يا محمد للمشركين احتجاجا لحقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك ( من يرزقكم من السماء والأرض ) من السماء بالمطر ، ومن الأرض بالنبات والمعادن ، فإن اعترفوا حصل المطلوب ، وإن لم يعترفوا فلا بد أن يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما ( أم من يملك السمع والأبصار ) أم هي المنقطعة ، وفي هذا انتقال من سؤال إلى سؤال ، وخص السمع والبصر بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة والقدرة الباهرة العظيمة : أي من يستطيع ملكهما وتسويتهما على هذه الصفة العجيبة والخلقة الغريبة حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم ، ويحصلون بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين ، ثم انتقل إلى حجة ثالثة ، فقال ومن يخرج الحي من الميت ) الإنسان من النطفة ، والطير من البيضة ، والنبات من الحبة ، أو المؤمن من الكافر ويخرج الميت من الحي ) أي النطفة من الإنسان أو الكافر من المؤمن ، والمراد من هذا الاستفهام عمن يحيى ويميت ثم انتقل إلى حجة رابعة ، فقال ( ومن يدبر الأمر ) أي يقدره ويقضيه ، وهذا من عطف العام على الخاص لأنه قد عم ما تقدم وغيره ( فسيقولون الله ) أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم ، وارتفاع الاسم الشريف على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف ، أي الله يفعل ذلك ، ثم أمره الله سبحانه بعد أن يجيبوا بهذا الجواب أن يقول لهم ( أفلا تتقون ) والاستفهام للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر : أي تعلمون ذلك أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال ( فذلكم الله ربكم الحق ) أي فذلكم الذي يفعل هذه الأفعال هو ربكم المتصف بأنه الحق لا ما جعلتموهم شركاء له ، والاستفهام في قوله ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) للتقريع والتوبيخ إن كانت ما استفهامية ، لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام ، والمعنى : أي شئ بعد الحق إلا الضلال ، فإن ثبوت ربوبية الرب سبحانه حق بإقرارهم فكان غيره باطلا لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحدا في ذاته